لطالما تساءلت: ما هي الروح؟ وكيف يمكن للإنسان أن يستشعر وجودها، وهو لا يراها ولا يستطيع أن يمسك بها؟
أين تسكن فينا؟ وهل هي حقًا ذلك الجزء الخفي الذي يجعلنا نشعر، ونحب، ونشتاق، ونحزن، ونبحث عن معنى لوجودنا؟
وذات يوم، كنت غارقة في حزن لم أجد له كلمات. ابتعدت قليلًا عن كل شيء، وجلست في خلوة هادئة مع الله. رفعت بصري إلى السماء، وتأملت اتساعها، ونجومها، ودقة هذا الكون الذي لا تكاد العين تبلغ منتهاه.
وبينما كنت أتأمل السماء وعظمة خلق الله، بدأت أذكره وأستغفره، وأردد في قلبي: سبحان الله، أستغفر الله... وكلما نظرت إلى السماء، ازددت شعورًا بصغر نفسي أمام عظمة خالقها. ظللت أتأمل خلق الله وأفكر فيه... في
عظمته، وفي ضعفي، وفي هذا الوجود الذي وُجدت فيه
ثم حدث شيء لم أستطع تفسيره.
شعرت فجأة بسكينة عميقة تتسلل إلى داخلي، وكأن شيئًا في أعماقي كان يهدأ بعد طول اضطراب. أحسست وكأن روحي تخفّ عن جسدي، وكأنها تشتاق إلى خالقها، وكأنها تعرفه بطريقة يعجز عقلي عن وصفها.
وتذكرت قول الله تعالى:
«﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾
[ص: 72]»
ومنذ تلك اللحظة، أصبحت أرى الروح بطريقة مختلفة.
الروح هي ذلك السر الذي لا يزال الإنسان عاجزًا عن الإحاطة بحقيقته. حتى حين سُئل النبي ﷺ عنها، جاء الجواب القرآني:
«﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[الإسراء: 85]»
وكأن الله يذكّرنا بأن في الإنسان سرًا يتجاوز حدود معرفته.
العلم يستطيع أن يدرس الدماغ، وأن يفسر كثيرًا من العمليات التي تحدث فيه، وأن يكتشف كيف تتشكل الذكريات والمشاعر، لكنه لا يملك حتى اليوم جوابًا نهائيًا عن ماهية الوعي ذاته، ولا يستطيع أن يضع الروح تحت المجهر.
ولعل هذا هو سر جمالها؛ أن تكون فينا، دون أن تكون منا بالكامل.
نحن أجساد تمشي فوق الأرض، لكن في داخلنا شيء يتوق إلى ما هو أبعد منها. نعيش أيامًا معدودة، نكبر، نتغير، نفقد أشياء وأشخاصًا، ثم نغادر هذا العالم كما جئنا إليه.
قال تعالى:
«﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
[آل عمران: 185]»
فربما لم تكن الروح خُلقت لهذه الدنيا لتستقر فيها، بل لتعيش فيها رحلة قصيرة، تتعلم فيها، وتتعرف إلى خالقها، ثم تعود إليه.
ولهذا قد نشعر أحيانًا بأن شيئًا في داخلنا لا يشبع مهما امتلكنا؛ لأن الروح لا تبحث عن كثرة الأشياء، بل عن معنى، ولا تبحث عن الخلود في الدنيا، لأنها تعرف - وإن لم ندرك نحن - أن هذه الدنيا ليست موطنها الأخير.
وربما لهذا قال الله تعالى:
«﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: 28]»
فحين نذكر الله، قد لا يتغير العالم من حولنا، لكن شيئًا في داخلنا يتغير.
تسكن الروح.
وكأنها، وسط ضجيج هذا العالم كله، تسمع أخيرًا صوتًا تعرفه منذ البداية.
فهل الروح هي ذلك الجزء الخفي فينا الذي لم ينسَ خالقه قط، مهما انشغل الجسد بالدنيا؟

