ثلاث ظلمات اجتمعت حول رجل واحد: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. لا صوت يصل إلى الناس، ولا يد تمتد لتنقذه، ولا طريق يبدو أمامه للخروج. ومع ذلك، في ذلك المكان الذي يبدو للإنسان نهاية كل شيء، بدأت حكاية أخرى؛ حكاية عبدٍ لم يجد إلا الله، فناداه.
كان يونس عليه السلام في كربٍ لا يشبهه كرب. وفي قلب تلك الظلمات خرج الدعاء الذي حفظه القرآن، وبقي إلى اليوم ملجأً لكل قلب أثقلته الهموم:
﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
لم يكن دعاءً طويلًا، ولم يحمل بين كلماته طلبًا مباشرًا بالخروج من الحوت. بدأ يونس بالتوحيد: «لا إله إلا أنت»، ثم بتنزيه الله: «سبحانك»، ثم بالاعتراف: «إني كنت من الظالمين».
وكأن النجاة بدأت قبل أن ينفتح بطن الحوت عنه؛ بدأت حين عاد القلب إلى الله.
في قصة يونس عليه السلام شيء عظيم عن المغفرة. فالإنسان قد يخطئ، وقد تضيق به نفسه، وقد يظن أن المسافة بينه وبين الله أصبحت أكبر من أن تُقطع. لكن الله يعلّمنا أن باب الرجوع لا يُغلق ما دام العبد يرجع إليه بصدق.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
تأمل: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
لم يجعل الله قصة يونس مجرد حكاية لرجل عاش قبلنا، بل جعل فيها وعدًا ممتدًا لكل مؤمن يمر بضيق، وكأن الآية تقول لنا: كما نجينا يونس، فإن أبواب النجاة ليست بعيدة عنكم.
وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أن دعوة ذي النون، أي يونس عليه السلام، ما دعا بها مكروب إلا استجاب الله له. وفي هذا ما يجعل هذا الدعاء أكثر من كلمات نحفظها؛ إنه باب نطرقه حين تضيق بنا الأبواب.
لكن أجمل ما في دعاء يونس أنه لم يبدأ بـ«أنقذني»، بل بدأ بـ**«لا إله إلا أنت»**.
كأن الإنسان حين تضيق به الحياة يحتاج أولًا أن يتذكر من هو الله، قبل أن يتذكر ما يريد منه.
ثم قال: «سبحانك»؛ اعتراف بأن الله منزّه عن الظلم، وعن أن يترك عبده بلا حكمة، حتى وإن عجز العبد عن فهم الحكمة.
ثم قال: «إني كنت من الظالمين»؛ لم يلقِ اللوم على البحر، ولا على الحوت، ولا على قومه، ولم يبحث عن عذر يخفف عنه اعترافه. وقف بين يدي ربه صادقًا.
وربما لهذا كان الدعاء عظيمًا؛ لأن المغفرة كثيرًا ما تبدأ من لحظة صدق لا نحاول فيها تبرير أنفسنا أمام الله.
وفي قصة يونس معنى آخر يلامس القلب: أن المكان الذي ظننّاه نهاية قد يكون بداية النجاة.
من كان يتخيل أن الخروج سيأتي من بطن حوت؟
ومن كان يظن أن الدعاء سيُسمع من قاع البحر؟
ومن كان يظن أن رجلًا تحيط به الظلمات كلها يمكن أن يصبح بعدها آيةً من آيات رحمة الله؟
لكن الله لا تحجبه الظلمات.
يسمع الدعاء الذي لا يخرج إلا همسًا، ويرى القلب الذي لا يراه أحد، ويعلم الوجع الذي عجزنا عن شرحه حتى لأقرب الناس إلينا.
ولهذا، حين نمر نحن أيضًا بظلماتنا الخاصة، حين نشعر أننا عالقون في شيء لا نعرف كيف نخرج منه، ربما لا نحتاج دائمًا إلى أن نفهم الطريق كله. ربما يكفي أن نرفع قلوبنا بالدعاء نفسه:
﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
نقوله لا كتعويذة، بل كاعتراف.
نقوله ونحن نوقن أن الله يسمع.
نقوله ونحن نطلب المغفرة، ونرجو الرحمة، ونترك له شكل النجاة ووقتها.
فقد تكون النجاة خروجًا من البلاء، وقد تكون قوةً على احتماله، وقد تكون مغفرةً لذنب، وقد تكون عودةً إلى الله لم نكن لنصل إليها لولا تلك العاصفة.
ولعل أعظم ما تعلمنا إياه قصة يونس عليه السلام أن العبد لا يكون بعيدًا عن الله لمجرد أنه في ظلمة؛ فربما كانت الظلمة نفسها هي المكان الذي يسمع فيه قلبه ربه للمرة الأولى بصدق.
وفي النهاية، لم يخرج يونس من الحوت لأنه كان أقوى من الحوت، ولا لأنه عرف طريق الخروج، وإنما لأن الله استجاب له.
وهكذا نحن أيضًا؛ لسنا مطالبين بأن نعرف كيف ستنتهي كل الأشياء.
علينا فقط ألا نتوقف عن طرق باب الله.
فإن كان يونس قد ناداه في بطن الحوت، فبأي شيء يمنعنا نحن من أن نناديه في ظلماتنا؟
لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين.
لعلها تكون بداية الغفران.
ولعلها تكون بداية النجاة.
ولعلها تكون الدعوة التي نرفعها إلى السماء اليوم، ثم نكتشف يومًا أن الله كان يدبّر لنا بها خلاصًا لم نره حين كنا في الظلام.

