هناك أشياء لا نعرف قيمتها إلا حين نفتقدها.
قد يملك الإنسان يومًا مليئًا بكل شيء: الناس، والإنجازات، والضحكات، والأحاديث… ثم يعود إلى غرفته في آخر الليل ويشعر أن في داخله فراغًا لا يستطيع تفسيره.
ليس كل فراغ يحتاج إلى شيء جديد.
أحيانًا، يحتاج القلب فقط إلى أن يعود إلى الله.
قال الله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
سورة الرعد: 28.
تأمل كلمة "تطمئن".
لم يقل الله إن القلب لن يحزن، أو لن يخاف، أو لن يمرّ بأيام ثقيلة. وإنما أخبرنا أن للقلوب بابًا إلى الطمأنينة، وهذا الباب هو ذكر الله.
فالذكر ليس مجرد كلمات تتحرك بها الشفاه، وإنما هو عودة متكررة إلى الله؛ أن تقول: سبحان الله وأنت تستحضر عظمته، وأن تقول: الحمد لله وأنت ترى نعمه، وأن تقول: أستغفر الله وأنت تعترف بتقصيرك، وأن تقول: لا إله إلا الله وأنت تجدّد في قلبك معنى التوحيد.
الذكر يوقظ القلب
قال رسول الله ﷺ:
«مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت»
رواه البخاري.
يا له من تصوير عظيم.
النبي ﷺ لم يشبّه الذاكر بإنسان أكثر علمًا أو أكثر نجاحًا، وإنما شبّهه بالحي.
وكأن الذكر ليس إضافة هامشية إلى حياة الإنسان، بل شيء من أسباب حياة القلب.
قد يعيش الإنسان بجسده بين الناس، يدرس ويعمل ويضحك ويتحدث، لكن قلبه قد يكون بعيدًا وغافلًا.
ثم تأتي كلمة واحدة:
سبحان الله.
فتذكّره بمن خلقه.
ثم:
الحمد لله.
فتذكّره بما لديه.
ثم:
أستغفر الله.
فتفتح أمامه باب الرجوع.
وهكذا، يصبح الذكر طريقة لإعادة القلب إلى وجهته كلما أخذته الحياة بعيدًا.
الذكر لا يحتاج إلى وقت مثالي
ومن أجمل ما في الذكر أنه لا يشترط أن تنعزل عن العالم حتى تمارسه.
يمكنك أن تذكر الله وأنت تمشي، وأنت تنتظر، وأنت في طريقك إلى الدراسة، وأنت ترتب غرفتك، وقبل أن تنام.
ولهذا قال النبي ﷺ لرجل شكا إليه كثرة شرائع الإسلام وسأله عن شيء يتمسك به:
«لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله»
حديث صحيح، رواه الترمذي وابن ماجه.
كأن النبي ﷺ دلّه على عبادة بسيطة في صورتها، عظيمة في معناها: أن يبقى بينك وبين الله خيط لا ينقطع.
الذكر وسط الضجيج
نحن نعيش في زمن يمتلئ بالأصوات.
إشعارات.
أخبار.
مقاطع قصيرة.
محادثات لا تنتهي.
وأفكار تتزاحم في الرأس حتى يصبح الإنسان أحيانًا غير قادر على الجلوس مع نفسه لدقائق.
وفي وسط كل هذا الضجيج، يأتي الذكر ليقول للقلب:
توقف قليلًا… وتذكّر من أنت، ولمن تعود.
ليس الذكر هروبًا من الحياة.
بل قد يكون وسيلة لأن يعيش الإنسان الحياة بقلب أكثر اتصالًا بالله.
وحين يصبح للإنسان ورد من الذكر، فإنه لا ينتظر دائمًا أن يشعر بالإيمان حتى يذكر الله؛ بل يذكر الله حتى لا يترك قلبه للغفلة.
هناك فرق بين أن تقول الذكر… وأن تعيشه
يمكن للسان أن يقول:
"الحمد لله"
بينما القلب منشغل بكل ما ينقصه.
ويمكن للسان أن يقول:
"أستغفر الله"
بينما الإنسان لا يريد حقًا أن يترك الذنب.
ولهذا فالمقصود ليس أن نعدّ الكلمات فقط، رغم فضل كثرة الذكر، وإنما أن نحاول أن يلتقي اللسان بالقلب.
حين تقول:
"لا إله إلا الله"
تذكّر أن لك ربًا واحدًا، وأن ما سواه لا يستحق أن يستولي على قلبك.
وحين تقول:
"حسبي الله"
تذكّر أنك لست وحدك في هذه الحياة.
وحين تقول:
"أستغفر الله"
لا تنظر إلى ذنبك باعتباره نهاية الطريق، بل انظر إلى الاستغفار باعتباره بابًا مفتوحًا للعودة.
ولماذا نحتاج الذكر كل يوم؟
لأن الإنسان ينسى.
ينسى النعمة عندما يعتادها.
وينسى الآخرة عندما تزدحم عليه الدنيا.
وينسى الله عندما تكثر مشاغله.
ولهذا كان الذكر تذكيرًا متكررًا.
أن تعود إلى الله في الصباح.
ثم تعود إليه في المساء.
ثم تذكره حين تضيق بك نفسك.
ثم تحمده حين تفرح.
حتى يصبح ذكر الله ليس شيئًا نفعله فقط عندما نحتاج شيئًا، وإنما جزءًا من علاقتنا بالله.
وقد وصف الله أهل الذكر بقوله:
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
الأحزاب: 35.
وقال النبي ﷺ:
«سبق المفردون»
قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟
قال:
«الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات»
رواه مسلم.
فالمسألة ليست مجرد كلمات نقولها بألسنتنا.
إنها علاقة.
كلما ذكرت الله، فأنت تطرق بابًا لا يُغلق.
وكلما عدت إليه، فأنت تقول لقلبك إن الدنيا، مهما ازدحمت، ليست كل شيء.
ربما لا تحتاج اليوم إلى تغيير حياتك كلها.
ربما تحتاج فقط إلى أن تجلس لدقائق، بعيدًا عن الهاتف، وتقول بصدق:
سبحان الله.
الحمد لله.
لا إله إلا الله.
الله أكبر.
أستغفر الله.
ثم تصمت قليلًا…
وتدع قلبك يتذكر.
فأحيانًا، لا يحتاج القلب إلى المزيد من الكلام.
يحتاج فقط إلى أن يتذكر الله.


جُزيت خيرًا. فالإنسان ومع كثرة مشاغله ينسى الصلة بربّه عزّ وجل، ليفقد بذلك المعنى الأعمق لحياته، وتتحول الدنيا من دار اختبار مؤقت إلى دار سعي وكدٍّ عديم الجدوى