ربما لا يغيّر الإيمان حياتك كما تظن… لكنه يغيّر الطريقة التي تعيشها بها.
لطالما فكرت في الإيمان على أنه أكثر من مجرد فكرة نؤمن بصحتها. فقد يعرف الإنسان الشيء، دون أن يتغير بسببه. نعرف أن الحياة قصيرة، ومع ذلك نؤجل كثيرًا. نعرف أن بعض الأشياء تؤذينا، ومع ذلك نعود إليها. فما الذي يجعل الإيمان مختلفًا؟ ربما لأنه لا يبقى في العقل فقط، بل ينتقل إلى القلب، ثم يظهر في طريقة عيشنا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]. لم يقل: يغيّر له كل شيء، بل يهدي قلبه. وهنا أعتقد أن أول شيء يفعله الإيمان هو أنه يغيّر الطريقة التي نرى بها ما يحدث لنا.
الإيمان لا يلغي الخوف
المؤمن يخاف، ويحزن، ويتعب، ويقلق بشأن المستقبل. لكن الإيمان يضع لهذه المشاعر معنى آخر. عندما لا تعرف ماذا سيحدث غدًا، يقول لك: أنت لا تعرف… لكن الله يعلم. وعندما تفقد شيئًا كنت تظنه ضروريًا لحياتك، يذكرك الله: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].
هذا لا يعني أن الألم يختفي، بل يعني أنك لا تعود تراه عبثًا. وتشير أبحاث في علم النفس إلى أن الدين والروحانية قد يكونان لدى بعض الناس مصدرًا للمعنى والأمل والدعم النفسي أثناء مواجهة الضغوط، مع أن العلاقة مع الصحة النفسية ليست بسيطة أو متشابهة عند الجميع.
الإيمان يغيّر علاقتنا بما لا نستطيع التحكم فيه
نحن نريد أن نضمن كل شيء: المستقبل، النجاح، الناس الذين نحبهم، والنتائج التي ننتظرها. لكننا لا نستطيع. وهنا يأتي التوكل. قال النبي ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم.
افعل ما تستطيع. اسعَ، تعلّم، خطط، ثم اترك ما لا تستطيع التحكم فيه لله. هذه ليست سلبية، إنها معرفة بحدود قدرتك.
وربما أعمق ما يفعله الإيمان…
أنه يمنحك مكانًا تعود إليه عندما يصبح كل شيء غير مستقر. قد تخسر، قد تفشل، وقد تضل الطريق، لكن يبقى هناك باب مفتوح: العودة إلى الله.
قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. والنبي ﷺ أخبر أن مجالس ذكر الله تحفها الملائكة، وتغشاها الرحمة، وتنزل عليها السكينة، رواه مسلم.
العلم يستطيع أن يدرس بعض الآثار النفسية للممارسات الروحية والدينية، لكنه لا يستطيع أن يختصر علاقة الإنسان بالله في نشاط دماغي أو مؤشر نفسي. لأن الإيمان، بالنسبة للمؤمن، ليس مجرد وسيلة للشعور بالراحة؛ إنه طريقة لفهم من أنا، ولماذا أنا هنا، وإلى من أعود.
ربما لهذا لا يجعلنا الإيمان أشخاصًا لا ينكسرون، بل يجعلنا نعرف إلى أين نذهب عندما ننكسر. لا يمنع الحزن، لكنه يمنحه معنى. لا يضمن لنا المستقبل، لكنه يمنحنا من نثق به في المستقبل. ولا يجعل الحياة دائمًا سهلة…
لكنه يجعلها جديرة بأن تُعاش.
وهذه، في رأيي، واحدة من أجمل الأشياء التي يفعلها الإيمان في الإنسان.

